ربما يتفهم أي انسان مبررات تساق له في أي قضية من قضايا الحياة , لدفع شبهة أو سوء ظن أو خطأ غير مقصود , تسليمنا (ببشريتنا) هو الدافع الأكبر لتقبل الأعذار والمبررات طالما أن الطرف المقابل يتشارك معنا في نفس الصفة (البشرية) , وتفهمنا لأعذاره وتبريراته اعتراف ضمني بأن الخطأ (غير المقصود) أو الجهل أو النسيان هو من مكونات النفس البشرية ..
ربما تختلف المعادلة قليلاً حينما يتعلق الأمر بذات (النفس البشرية) التي جعل الاسلام (الحفاظ عليها) من الكليات والضروريات الخمس , وتتغير المعادلة كلياً حينما يكون الخطأ (مقصود) أو بسبب (اهمال) أو (فساد) يكون ثمنه في نهاية المطاف (نفس بشرية) ..
أن يتكرر نفس الخطأ .. في نفس المكان .. مع ضحية جديدة , هنا لا يبقى في المعادلة (أطراف) بل ينحصر السؤال في طرف واحد كان الثابت (المشؤوم) في كل المعادلات , والمتغير هم الضحايا الذين ساقهم القدر لمكان كان آخر اهتماماته (حياة الانسان) ..
الغريب والمثير للريبة أن يبقى هذا المكان (مشرعاً) لاستقبال ضحايا جدد , يهربون من الموت ليقدم لهم مدسوساً على سرير وثير في شكل (ابرة تخدير) ..
الأكثر غرابة أن هذا كله يحدث في دولة تعتبر في مقاييس الدول (دولة غنية) , وإن كانت الحالات سابقة الذكر قد حدثت في مستشفى خاص , إلا أن الملوم الأكبر في هذا هو “الدولة” التي تسمح لكل هذا أن يحدث دون أن تحرك ساكناً ..
فهي من جهة لا توفر (الرعاية الكافية) لمواطنيها والمقيمين عليها , والتي لو كانت على قدر من (الجودة) لما احتاج الناس للركض في ردهات المستشفيات الخاصة بحثاً عن (العلاج) الذي افتقدوه في المستشفيات الحكومية , إما بسبب رداءة الجودة , أو بسبب نقص الكوادر ..
وهي من جهة أخرى لا تمارس (الدور الرقابي) على هذه المستشفيات والتي غالباً ما يكون هدفها (ربحي) أكثر من أي شيء آخر , معلنة بذلك أن حياة المواطنين ليست بتلك الأهمية التي لابد معها من مراقبة المستشفيات الخاصة , والحرص على اتباعها الاجراءات النظامية في توظيف الكوادر الطبية وتدقيق شهاداتهم والتأكد من مؤهلاتهم ..
ليس في الأمر اعتراض على قدر الله , لكنه اعتراض على (اللامبالاة) التي فاحت رائحتها النتنة من قلوب كان آخر ما تكترث له (حياة انسان) ..
مستشفى (عرفان) بجدة - والذي لازالت الصحف والمواقع الإخبارية تتحاشى ذكر اسمه والتشهير به بالرغم من الكوارث التي يطالعنا بها بين فترة وأخرى , ولست أعلم أي حقوق أدبية بقيت لهذا المستشفى الذي مارس ولازال قتل الأبرياء على طريقته الخاصة – هو البطل في “مسرحية الموت” التي تدور أحداثها الدراماتيكية في مستشفى ويجسد دور البطولة فيها (طبيب تخدير) مزيف ولا يحمل رخصة لمزاولة المهنة ..
مسرحية الموت 1 (حسن الحارثي) رحمه الله
مسرحية الموت 2 (الدكتور طارق الجهني) رحمه الله
للأسف كانت ردة فعل وزارة الصحة أقل من المأمول باغلاق قسم العمليات في المستشفى المذكور , فبدل معاقبة المستشفى الذي يخترق كل قوانين الرعاية الطبية واغلاقه بالشمع الأحمر , يتم توقيف قسم العمليات وترك بقية الأقسام ليقابل فيها كل مواطن حظه أو بالأصح قدره ..
المشكلة ليست في خطأ من مسؤول التخدير وحسب ..
القضية تشغيل لأشخاص غير نظاميين ولا يملكون مؤهلات وليس لديهم رخص لمزاولة المهنة ..
وأتسائل ..
المستشفى الذي يسمح لمن لا يحمل رخصة لمزاولة المهنة في موقع حساس (طبيب تخدير) هل سيتورع أن يستعمله في ما دون ذلك .. ؟؟؟!!!
لماذا لا نكون دائماً على قدر الحدث .. ؟؟؟
